الشيخ عبد الغني النابلسي

57

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

جمعت جميع الحضرات كان جمعها لذلك على حسبها لا على حسب ما الحضرات عليه بالنسبة إليها فقط فحضرات حضرة الحق كلها حق ، فأول حضرة ظهرت فيها حضرة اللّه ، ثم حضرة الرحمن ، ثم حضرة الرب ، ثم باقي الحضرات ، وكل حضرة من هذه الحضرات الظاهرة جامعة لجميع الحضرات أيضا على وجه مخصوص ( سبحانه ) تنزيها له تعالى عن خطرات الأوهام وعن لمحات الأفهام . ثم لما كان الاسم الحق وكذلك جميع الأسماء الإلهية دالة على شيئين : الذات وما يعينها عند الغير من الخصوصيات ، وكان الكلام الآن في صدد بيان هذه النشأة الآدمية ، قال ( من حيث ) ، أي من جهة ( أسمائه ) ، أي أسماء الحق تعالى ولم يقل أوصافه ، لأن الوارد في الكتاب والسنة لفظ الأسماء لا الأوصاف ، ولأن الاسم غير الصفة بحسب المفهوم ، وأقرب الوسائط إلى الكائنات بين الحق تعالى وبين الكائنات الأسماء والأوصاف أعلى منها ، فالوصف ما قام بالموصوف والاسم ما عين للمسمى عند غيره ( الحسنى ) ، أي ذات الحسن بمعنى النزاهة التامة عن مشابهة الحوادث ( التي لا يبلغها ) ، أي لا يحويها ولا يحيط بها ( الإحصاء ) ، أي العدد الضبط ، وذلك ، لأن للّه تعالى في ظهور كل ذرة من ذرات السماوات والأرض وذرات كل شيء ظهور اسم إلهي خاص ، لا ظهور له في تلك الذرة ولا في غيرها من الذرات قبل ذلك ولا بعده . وهكذا الشأن دائما من ابتداء فتق الوجود إلى ما لا نهاية له في نار أو جنة فلهذا كانت أسماء اللّه تعالى لا تبلغ الإحصاء . واعلم أن الحق تعالى من حيث ذاته العلية لا خبر عنه في الأكوان ولا كلام فيه عند ذوي الكمال والنقصان ، لأنه من هذه الحيثية غني عن العالمين ومجهول على الإطلاق عند جميع المخلوقين . وأما من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء فهو الموصوف المعروف المخبر عن نفسه الظاهر الباطن في حضرات قدسه وقد شاء أزلا من هذه الحيثية ( أن يرى ) ، أي يعاين ويشاهد ( أعيانها ) ، أي أعيان تلك الأسماء الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ، والمراد بأعيانها ذاته العلية متعينة في كل حضرة منها ( وإن شئت قلت ) في هذا المعنى بعبارة أخرى وهي لما شاء الحق سبحانه من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ( أن يرى عينه ) ، أي ذاته ظاهرة ( في ) صورة ( كون ) ، أي خلق ، ولا يلزم من كونه يرى ذاته ظاهرة في صورة كون أن تكون ذاته من حيث هي تحولت عن إطلاقها الكلي إلى صورة من الصور الممكنة ، وصارت في حد ذاتها صورة كون ، وإنما المراد رؤيتها كذلك ، فإن من يرى ذاته رؤية حقيقية مطلقة من سائر القيود على ما هي عليه في نفسها يقدر أن يراها ظاهرة في الصورة التي يمكن أن تظهر له فيها من غير أن يتغير عما هي عليه